الشيخ محمد حسين الحائري
280
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
خبر الواحد كما أنه لو دل على حجيته ما يظن حجيته لامارة لا دليل على عدم حجيتها ثبت به حجية الطريق فيثبت به حجية خبر الواحد وبالجملة فالعمل بالطريق سواء كان طريقا إلى حكم فرعي أو أصولي مع عدم قيام قاطع سمعي على تعينه لا يتم إلا بإرجاعه إلى المرتبة الثالثة إذ بدونه يلزم إما الحكم من غير دليل أو الدور أو التسلسل أو توقف الشئ على نفسه وفساد اللازم بأقسامه بين جلي ولو أرجع بعض الطرق إليها خاصة لزم الترجيح من غير مرجح وهو أيضا بين الفساد فاتضح الفرق بين من يتمكن من تحصيل العلم بتفاصيل الأدلة من غير أن يستند إلى قاعدة الانسداد كما يظهر من جماعة من أصحابنا وبين من لا يتمكن منه إلا بالاستناد إليه كما هو الثابت في حقنا وأن التكليف في مطلق الاحكام الغير القطعية حتى الأصولية منها بالعمل بالمدرك المنصوبة من حيث التعبد إنما يتم في حق الأول دون الأخير ومنها أنا لا نسلم أن انسداد باب العلم إلى تعيين الطرق يوجب حجية كل ظن لا دليل على عدم حجيته بل حجية كل ظن نظن حجيته خاصة لأنه أقوى وللاقتصار في مقام الضرورة على أقل ما تندفع به والجواب أن كون الظن المظنون حجيته أقوى مع كونه على إطلاقه ممنوع لاختلاف مراتب الظن لا يقتضي منع حجية الأضعف أو لا لوجب الاقتصار على أقوى مراتب الظنون وهو واضح الفساد بل العبرة في الحجية بمجرد الظن بها إذ يحصل به في نظر العقل رجحان ظاهري يصح معه الترجيح في الظاهر فلا أثر لقوة الظن في إثبات أصل الحجية وإنما يظهر أثرها في مقام التعارض وهو أمر آخر وعلى ما قررنا فلو ظن بطريق يظن عدم حجيته حجية طريق وجب الاخذ بأقوى الظنيين لتساوي نسبته حجية الظن إليها فيرجح الأقوى ولو كان الظن بعدم الحجية معارضا بما في مرتبة سقوط اعتباره وجب الاخذ بالظن بالطريق لسلامته عن المعارض السالم ومن هذا الباب كل تنعقد على حجيته طريق فإنه يجب الاخذ بها عند خلوها عن المعارض لحصول الظن بها ولا يعارضها انعقاد الشهرة على عدم جواز الاخذ بالشهرة لمعارضة تلك الشهرة لنفسها فلا تصلح لمعارضة غيرها وقد سبق تحقيق ذلك في مبحث الشهرة ومنها أن قضية البيان المذكور حجية الظن في تعيين أدلة الاحكام عند انسداد باب العلم إلى معرفتها أو معرفة بعضها إجمالا أو تفصيلا مع العلم ببقاء التكليف بها وهو وإن كان في نفسه مستقيما لكنه مجرد فرض لا تحقق له في حقنا إذ لا خفاء في أن من طرق الاحكام ما نتمكن من معرفة جملة من تفاصيله بطريق القطع ولا قطع لنا ببقاء التكليف بالعمل بما لا قطع لنا به منه وهو الاجماع والأدلة العقلية فينتفي بالنسبة إلى كل واحد من نوعيه أحد الشرطين المعتبرين في جواز العمل بالظن فيه ومنها ما نقطع بحجيته بطريق الاجمال دون التفصيل ونقطع أيضا ببقاء التكليف بالعمل به وهو الكتاب وخبر الواحد لقيام الحجة القاطعة من السيرة والاجماع المعتضدين بالاخبار المتكاثرة المتظافرة على حجيتهما في الجملة وعلى بقاء التكليف بالعمل بهما ولا قطع بحجية ما عدا هذه الأدلة الأربعة ابتدأ ولا ببقاء التكليف بالعمل به حتى يتفرع عليه جواز التعويل في تحصيله على الظن نعم لو استفدنا منها حجية طريق آخر كنقل الاجماع والشهرة اتجه القول بحجيتهما من هذه الجهة ولا يقدح ذلك في عد هذا الوجه من الأدلة على حجية خبر الواحد لان مبناه على قطع النظر عن سائر الأدلة المفيدة للعلم الاجمالي بها نعم يصح التمسك بهذه الطريقة في معرفة تفاصيل ما يجب علينا العمل به من الكتاب والسنة فإنا حيث علمنا علما إجماليا بثبوت التكليف بالعمل بهما في الجملة وقد تعذر علينا معرفة تفاصيلها بطريق القطع والطريق القطعي مع توقف العمل على التفاصيل وجب الاعتماد فيها على الظن الذي لا دليل على عدم حجيته ثم ما هو أقرب إليه بالتفصيل المتقدم لا يقال إذا ثبت انسداد باب العلم إلى معرفة تفاصيل ما هو الحجة من الكتاب والسنة ثبت انسداد باب العلم إلى الأدلة وكان الظن في تعيين تفاصيلهما كالظن بحجية غيرهما وتفاصيله لمشاركتهما في كون كل منهما دليلا مظنون الحجية والقطع بحجية أحدهما مجملا غير صالح للفرق إذ الحاصل في التفاصيل ليس إلا الظن بالحجية لأنا نقول إنما وجب العمل بالظن في تفاصيل الكتاب والسنة للعلم ببقاء التكليف بالعمل بهما في الجملة مع انسداد طريق باب العلم التفصيلي وهذه العلة غير متحققة في غيرهما فلا سبيل إلى التعدي إليه بالعمل بالظن فيه وبهذا يتضح الفرق بين الظن بحجية ما علم حجية نوعه مجملا وبين غيره والجواب أن البيان المذكور إنما يتم إذا علم بوجوب العمل بالأدلة المذكورة وببقائه بعد انسداد باب العلم على الاطلاق حتى في صورة معارضتها لسائر الأدلة التي لا دليل على عدم حجيتها وليس كذلك لتحقق الخلاف في حجية خبر الواحد عند معارضته لنقل الاجماع أو الشهرة أو نحوهما وبالجملة ففرض العلم بحجيته على الاطلاق ينافي عدم العلم بحجية غيرها ولو في صورة التعارض كما هو المفروض فإذا لم يكن هناك قاطع على حجية تلك الأدلة مع علمنا بوجوب العمل بها أو بمعارضها وجب الرجوع في التعيين إلى الظن أو ما قام مقامه كما مر ومنها المنع من انسداد باب العلم إلى الأدلة فإن للأحكام مضافا إلى الأدلة القطعية أدلة ظنية قام على حجيتها دليل قاطع كظاهر الكتاب والخبر الصحيح وأصل البراءة فإن الاجماع والسيرة القطعية قاضيان بحجية الأولين والعقل قاض بحجية الأخير مضافا إلى ما ورد في الموارد الثلاثة من الاخبار المتظافرة ولا يقدح في انعقاد الاجماع مخالفة الأخبارية في الأول والسيد وجماعة في الثاني لحصول الاستكشاف لنا بمقالة الآخرين وحينئذ فكل حكم دل عليه حجة قاطعة أو ما ثبت حجيته بقاطع كظاهر الكتاب والخبر الصحيح علمنا به وفيما عدا ذلك لا قطع لنا ببقاء التكليف فيعمل بأصل البراءة لقطع العقل بحجيته حيث لا دليل معلوم الحجية عند العامل به على خلافه لا يقال إن أريد حجية ظاهر الكتاب والخبر الصحيح في الجملة سلمنا قطعيتهما لكنه لا يجدي في منع حجية ما عداهما وإن أريد حجيتهما مطلقا وإن عارضهما إجماع منقول أو شهرة أو رواية موثقة أو حسنة أو ضعيفة منجبرة بقطعيتهما حينئذ ممنوعة لعدم مساعدة الاجماع والسيرة على حجيتهما حينئذ وأما الاخبار فغاية ما يستفاد منها حجيتهما في الجملة ورواية الثقلين المتواترة بين الفريقين وإن دلت